محمد بيومي مهران

151

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

( نبوخذ نصر ) وهما كافران ، وسليمان بن داود وذي القرنين ، وهما مؤمنان ، كما كان نمرود هذا أول جبار تجبر في الأرض ، وأول ملك في الأرض ، وهو كذلك صاحب الصرح في بابل ، وأول من صلب وأول من قطع الأيدي والأرجل ، إلى غير ذلك من صفات أسبغت عليه ، ولا يعلم إلا اللّه سبحانه وتعالى ، من أين أتى بها مؤرخونا ، وكثير منهم ممن يعتد بهم ، ولهم مكانة عالية في التاريخ ، فضلا عن التفسير « 1 » . والواقع أن تلك الأسطورة التي تتردد في المصادر العربية عن الملوك الأربعة الذين حكموا الدنيا بأسرها « 2 » تتفق والحقائق التاريخية المتعارف عليها ، بحال من الأحوال ، فأول هؤلاء الملوك ، وهو نمرود ، والذي يهمنا هنا ، قد لا يعلم أصحاب هذه الأسطورة أن التاريخ البابلي لا يعرف ملكا بهذا الاسم ، حتى الآن على الأقل ، ولست أدري من أين جاء به أصحابنا المؤرخون الإسلاميون ، وأكبر الظن أنهم أخذوه من مسلمة أهل الكتاب ، حيث جاء في توراة يهود « وكوش ولد نمرود الذي ابتدأ يكون جبارا في الأرض . . . وكان ابتداء مملكته بابل وأرك وأكد وكأنه في أرض شنعار » « 3 » ، على أن التاريخ يعرف بلدا باسم « نمرود » ، على مجرى الزاب الأعلى ، وقد كانت عاصمة للإمبراطورية الآشورية على أيام الملك « سرجون الثاني » ( 722 - 705 ق . م ) ، وهي نفسها مدينة « كالح » في التوراة « 4 » ، والتي أسسها « آشور بانيبال الثاني » عام 883 ق . م ، وتقع على الضفة الشرقية لنهر دجلة ، وعلى مبعدة 22 ميلا جنوب الموصل الحالية ، وهكذا خلط كاتب سفر التكوين من التوراة بين الملك والمدينة ،

--> ( 1 ) انظر : تفسير الطبري 5 / 431 - 433 ، تفسير القرطبي ص 1092 ، تفسير ابن كثير 1 / 468 ، تاريخ الطبري 1 / 233 - 234 ، تاريخ ابن الأثير 1 / 94 ، أبو الفداء 1 / 13 ، المقدسي 3 / 45 - 48 ، تاريخ الخميس ص 89 - 91 ، مروج الذهب 1 / 56 ، المحبر ص 392 - 394 ، ابن كثير : البداية والنهاية 1 / 148 . ( 2 ) تكوين 10 / 8 - 10 . ( 3 ) تكوين 10 / 8 - 10 . ( 4 ) تكوين 10 / 711 .